الرؤيا لغة: على وزن فعلى وهي ما يراه المؤمن في منامه أو يرى له. وفي الاصطلاح، قال ابن حجر: "الرؤيا ما يراه الشخص في منامه، قال الراغب، والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، ويطلق على ما يدرك بالتخيل نحو رأى أن زيدا مسافرا، وعلى التفكير النظري نحو "إني أرى ما لا ترون" (الأنفال الآية 45)، وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن" (فتح الباري ج 14 ص 374).
قال صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" (أخرجه الشيخان عن أنس)، كما أخبر أنه: " لم يبق من بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة"(الموطأ)، فهي باب الغيب الذي بقي مفتوحا لوصلة الصالحين بربهم. الرؤيا الصادقة حق ومن صدقها صدق الحق، ومن كذبها كذب الحق، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الضلال والإلحاد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان" (البخاري 3 / 1198) فهي عطاء من الله تعالى لعباده.
أخرج الإمام أحمد رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (سورة يونس،الآية 42-43)، قال صلى الله عليه وسلم عن البشرى في الحياة الدنيا: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له".
وقال أبو عبد الله المزوري: "مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة". (فتح الباري ج 14 ص 375).
ولا يترتب على الرؤيا أي حكم شرعي جديد ولا ينبني عليها بالتالي ما يناقض الشريعة أو يخالف النصوص. ولا تدعو إلى التواكل والكسل، وإنما تحفز المؤمن على البذل أكثر، قال الأستاذ عبد السلام ياسين: "…لهذا لا نبني على الرؤيا عملا، إنما هي مبشرات تسر ولا تغر، وظيفتها أن تشجع فينا خصال الإيمان ونية الجهاد، لا أن تصبح مصدر الأحكام" (المنهاج النبوي ص183).
أما تعبير الرؤيا فعلم يعلمه الله من يشاء من عباده، "ولنعلمه من تأويل الأحاديث" (يوسف21).-
- هل ذكرت الرؤى في القرآن الكريم؟
- نعم ذكرت مرات عديدة، منها: قول الله تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم: "فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟" (الصافات102) فأجاب سيدنا إسماعيل عليه السلام أمر أبيه وأمر ربه: "يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين"، وقال سبحانه عن عبده إبراهيم عليه السلام لما صدق رؤيا ذبح ولده، وبدأ في التنفيذ: "وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين" (الصافات 104-105).
ومنها رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام إذ قال: "يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". وانظر كم مر من الزمان لتتحقق تلك الرؤية؟
ومنها قوله تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" (الإسراء الآية 60) وذهب القرطبي إلى أن المقصود هنا هو الرؤية بما هي إدراك بحاسة البصر فما رآه النبي ليلة الإسراء كان جميعه في اليقظة وهو مذهب ابن عباس في تفسير سورة الإسراء "إنها رؤيا عين"، وجعلها البعض الآخر حجة لمن قال إن الإسراء كان مناما وختم ابن حجر القول "يحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام".
ومنها قول الله تعالى: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم…" الآية (الأنفال43).
فتصديق الرؤيا من سمات الإحسان. ومن لا يصدق الرؤى الصالحة لا يمكن أن يشم للإحسان رائحة، لأنه يسخر من النبوة. -
3- هل ينبغي أن نعبد الله لكي نرى الرؤى؟
- المؤمن يعبد الله طلبا للاستقامة لا طلبا للكرامة، لأن أكبر كرامة هي اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحسان، لنيل رضى الله تعالى. فمن الصحابة من لم يكن يرى الرؤى ولا ينقص ذلك من مكانته شيء. والمؤمن الصادق في طلب الله تعالى لا يبحث عن الرؤيا ولا يطلبها، وإذا ما رآها فكل ما يُهِمّه منها هو ما يبشره بالسعادة الأبدية، وبقربه من ربه عز وجل، ورضاه عنه، وتنهضه لاقتحام العقبة إلى الله.
ظل المسلمون يحتفلون بالرؤيا الصالحة عبر العصور ويشتاقون لرؤية الحبيب صلى الله عليه وسلم، واعتبر فن تعبير الرؤيا علما قائما بذاته له رجاله، ومن الصحابة الذين برعوا فيه أبو بكر الصديق ومن التابعين جعفر الصادق وابن سيرين وغيرهم… -
- هل كل ما يرى في النوم هو رؤية صالحة؟
- عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان. فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل". رواه الدارمي رحمه الله.
قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: "في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: الرؤيا الصالحة من اللّه، والحلم من الشيطان، فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإِنسان في منامه يكون صحيحاً، إنما الصحيح فيه ما كان من اللّه يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب".
ويُروى عن الإمام مالك رحمه الله أنه سُئل: أيعبّر الرؤيا كل أحد؟، فقال: أبالنبوة يُلعب؟ .. إلى أن قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة، كما في التمهيد والمنتقى للباجي.وأنواع الرؤيا هي:
أ. الرؤيا الصالحة: هي التي يرى فيها المؤمن ربه عز وجل، أو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعباده الصالحين، وما وعد به سبحانه في كتابه من جزاء عظيم لمن أخلص لله القصد، واستقام على سواء الصراط. ويكون فيها التبشير أو التحذير أو التوجيه، وهي التي كان يحتفل بها الصحابة يوميا بعد صلاة الصبح.
ب. الرؤيا النفسية: تسمى حديث النفس، وهي أن يرى المرء في منامه ما كان يشتغل به في يقظته من هموم الدنيا. قال القاضي عياض رحمه الله: "وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم ثم يحصل النوم فيراه فهذا قسم لا يضر ولا ينفع". (فتح الباري ج12ص372) وقد يكون هذا النوع استدراجا للرائي يحيد به عن جادة الطريق.
ج. الرؤيا الشيطانية: وهي وحي الشيطان لأوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لهم في اليقظة قال الحق سبحانه: "إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم…"، وقد يصيب هذا التحزين المؤمن لصده عن ذكر الله، نظرا لما يكون فيه من "تهويل أو تخويف أو تحزين (و) هو المأمور بالاستعاذة منه لأنه من تخيلات الشيطان فإذا استعاذ الرائي منه صادقا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك ولم يصبه منه شيء" (فتح الباري ج12 ص372).
د. الرؤيا الكونية: هي الرؤيا المخبرة بأنه وقع شيء ما في الكون أو أنه سيقع في المستقبل، ويستوي في تلقيها المؤمن والكافر. ومثال ذلك رؤيا ملك مصر في سورة يوسف عليه السلام، (سبع بقرات…) وهي ليست من الإحسان في شيء, وإن كان لها شأن عظيم في حياة الأمة.
قال الأستاذ عبد السلام ياسين: "الرؤية الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني" (الإحسان ج2).
فالرؤيا قد تكون من الله تعالى، وقد تكون مما يحدث به المرء نفسه، وقد تكون من تلعب الشيطان، لكن إذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقا، كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم فإن الواحد قد يغلط أو يكذب وقد يخطئ في الرأي، أو يتعمد الباطل، فإذا اجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة وإذا تواترت الروايات أورثت العلم. -
5- هل للرؤيا آداب ينبغي احترامها؟
- من الأدب أن يعظم المؤمن ما يرى في منامه من رؤى صالحة، وأن يحمد الله عليها، ويستبشر بها خيرا، وألا يتحدث بها إلا لمن يحب دون من يكره، فهي لا تحكى إلا لحبيب أو لبيب، قال الله تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام: "لا تقصص رؤياك على إخوتك" (يوسف الآية 5) لأن إخوته كانوا يكيدون له. والرؤيا تسر ولا تغر قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب.."رواه مسلم عن أبي سلمة. والرؤيا الصالحة أمانة من الله لا يزاد فيها ولا ينقص منها، قال صلى الله عليه وسلم: "من أفرى الفرى أن يري عينه ما لم تر" أخرجه البخاري.
-
6- هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى الرؤى؟
- نعم ، ونذكر بعضها:
في بدء الوحي: قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد" البخاري ومسلم.
في فتح مكة: قال الله تعالى: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا" (سورة الفتح آية 27). رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام وطاف بالبيت وعلم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الخبر، فرؤيا الأنبياء وحي فشدوا الرحال وساقوا الهدي وساروا في شهر ذي القعدة يحدوهم الشوق إلى حج بيت الله والحنين إلى ديارهم التي خرجوا منها طلبا لله ورسوله تاركين الأهل والأموال.
في الهجرة: أخرج البخاري رحمه الله عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "رأيت في



































"ما نحن بحمد الله قناصة ولا غادرون، وما قيادة الشارع واعتلاء الكراسي مطمحنا. مطمحنا إمامة أمة، إحياء أمة، توحيد أمة، تبليغ رسالة للإنسان، والله غالب على أمره، وحركة الإحياء شمس طالعة، الضرير م
